تغطية جلسة اللغة في أغاني المهرجانات

52043244_10156281745017689_5804297066708467712_o

إيه الفرق بين أغنية كابوريا بأداء أحمد زكي، ونفس الأغنية بأداء إدوار؟

الأغنية بين الإصدارين تحركت عشرين سنة أو أكثر. لما أعيد إنتاج الأغنية مؤخراً غيّروا بعض الكلمات بحيث يبقى للكلمات معنى، مرتبط بالأحياء الشعبية. مثلا اللازمة الجديدة: “الميجا ميجا دي منزلتشي”، لما تروح تنزل كام ميجا أغاني أو نغمات من محل موبايلات: الميجا دي منزلتشي، إشارة لحوارات ومشاكل في الحارة مثلا.

أنا اشتغلت على تيار الأغاني الشعبية القاهري، اللي بيطلع كبداية له خارج دواير الإنتاج، يعني لا بتقدمه الدولة ولا بيصدر من الإذاعة، ولا فيه حد بينتج للمغني أسطوانات. الفيلم اللي شفناه بيتتبع الأغاني الشعبية اللي بتحقق المعايير دي. العزبي ورشدي وأغاني عبد الحليم الشعبية مثلا خارج الدراسة وخارج دايرة تركيز الفيلم.

تصنيفات الأغنية الشعبية اللي بيتتبعها الفيلم، ودراستي، كان عليها خناقة كبيرة. أولاً، المختصين بالأغاني والموسيقى قالوا إن المهرجانات ملهاش علاقة بالأغنية، مش مستوفية لشروطها. بعد شوية من بداية الدراسة وصلت لأسئلة: هل الأغنية هي الأغنية الرسمية حصراً؟ اللي بتظهر للنور برعاية الدولة؟ هل هي الأغنية الشائعة والجماهيرية مثلا؟ بناء على الأسئلة دي، وصلت في الدراسة لأن المهرجانات هي ما يمكن وصفه بمسمى “الأغنية الشائعة الشعبية” .

وضمن الخناقة على التعريف: بالنسبة لتعريف المهرجانات بأنها أغنية شعبية، كان الرد الأكاديمي على المسمى إنها مش أغاني شعبية، وكان فيه معيار اتقال لي: إن فريق عمل الأغنية ميكونوش معروفين، عشان نقدر نعرفها بصفتها أغنية شعبية. المهم، وصلت لأن المهرجان هو فلكلور القاهرة، أو فلكلور هامش القاهرة وعشوائياتها. المهرجان إذن أغنية شعبية بصفتها فلكلور القاهرة، وتوثيقها بيتم عن طريق اليوتيوب والسوشيال ميديا، وباعتبار إن القاهرة رغم كونها “مركز” فلها هامش خرجت منه المهرجانات.

في كتاب “الثقافة الجماهيرية” لوالتر أمبروست، قال: “الشيء المشترك بين كل تلك الأغاني هي أنها جمعيا تتوجه بشكل كبير إلى إحساسات الطبقات الدنيا من المجتمع، لكنها لا تعمل بالمنطق الحداثي.. كل تلك الأغاني تستخدم أسلوب دمج الموسيقى لكنهم يخطئون في حق الذوق الرسمي عندما يتجاهلون الذائقة الموسيقية الرفيعة، ويتناسونها”.

إذن المهرجان هو نوع من الأغاني اللي مزجت بين إيقاع الراب وإيقاع المقسوم. يبدأ بمقدمة، ومناقشة موضوع، وينتهي بـ “المسا”، وهي جمل تهاني لعائلات أصحاب الحفل. وارتبط إنتاج المهرجان بالمناطق المهمشة على أطراف المدن الكبرى. وبدأ إنتاجه في عام 2009 وانتشر بعد الثورة في 2011. والمهرجان بدأ مرتبطاً بالأفراح، ولا يمكن تكرار نفس المهرجان لعائلة في نفس المنطقة. كان يتكلف من 300 إلى 500 جنيه لإنتاجه، لكن في 2018 أصبح ثمن إنتاج المهرجان 5000 جنيه. وظل ينتشر إلكترونياً دون دخول دوائر الإنتاج وكموسيقى مستقلة، لكن سرعان ما تغير الوضع فأصبح من مستلزمات بعض الأفلام مؤخرًا.

المهرجان باعتباره “ريمكس”

المهرجان بيتم إنتاجه على يد مجموعة شباب مختلفي المواهب، في العشوائيات على أطراف القاهرة وإسكندرية، وهي مجموعات من محافظات مختلفة. حالة المزج المستمرة دي أثرت في الموسيقى والكلمات والتوزيع.

ماركس قال إن النمط الثقافي في المجتمع مرتبط بنمط الإنتاج الاقتصادي. لما مجموعة مهمشين على أطراف مدينة، كتير منهم عاطلين، ومش مجرمين ولا موظفين ولا متعلمين ولا من محافظة واحدة. هذا الميكس، أنتج شوية علاقات. أولاً علاقات المهرجانات بالهجرة الداخلية باينة في الرقص المتصل بالمهرجان، فيه تعبير عن المطواة والعصاية، فيه حاجات من بورسعيد وحاجات من إسكندرية وحاجات من الصعيد. المزج باين بوضوح في الرقص.

ثانياً، فيما يخص مسألة “الريمكس” في المهرجان

عندنا مزج بين  التركيب الاجتماعي وعلاقات القوة في المجتمع. المهرجانات مش بتدعو للعنف بالضرورة. وقت عمل المقابلات للدراسة اتقال لي مثلا إن الحاج فلان ده أول واحد جه المنطقة من أيام ما كانت عشش. والموظف الفلاني اللي عنده خطوط الميه والكهربا بيوصل للناس الخدمات دي مقابل فلوس، فدي علاقة قوة. ثم البلطجي، الشخص اللي بيحمي المنطقة والناس بتروح له يحل مشاكلها. مجموعة الشباب الموهوبين اللي عملوا المهرجان انتقلوا لعمل مساحة قوة جديدة، اللي هي “مغني المنطقة دي فلان الفلاني”، دي الشخصيات النافذة في المنطقة المذكورة أعلاه، اللي بقى منها مؤخرًا “مغني المنطقة” اللي بيعمل مهرجانات.

محدش من مطربي المهرجانات جسمه متقسم ومفتول. مينفعش يشتغل بلطجي، ولا هو راجل كُبّارة من مؤسسي المنطقة بعد ما كانت زمان لا تزيد عن مجموعة عشش.

موضوع ثالث بخصوص “الريمكس”: علاقة التكنولوجيا بالمهرجانات

كل الإنتاج ببلاش، إذن الإنتاج مستمر ومتصل وغزير. بيير بورديو في كلامه عن “الفعل الاجتماعي” قال أنا مش مؤمن إن فيه ثقافة شعبية طالما أدوات الإنتاج الثقافي في إيد بعض الناس دون غيرهم”. حاليا فيه أدوات متاحة للجميع، نسبياً، وكل الناس قادرة تنتج صوتها بما في ذلك عن طريق إنتاج المهرجانات.

رابع نقطة عن “الريمكس” والمهرجان: علاقة ثورة يناير بالمهرجانات

فيروز كراوية قالت إن نظام مبارك كان على مدار عصره بيفصل الطبقات عن بعضها وطول الوقت كان فيه خطاب محفز لشيطنة الفقر. مثلا تصدير إن منطقة “السلام” منطقة إجرام، وفي عصره كان اللي على وش القفص هم الطبقة الوسطى اللي متحكمة في الخطاب وبتنتجه وماسكة كفة الميزان بتاعت الثقافة. في 25 يناير إني ابقى باتظاهر جنب فلان بياع البطاطا ومش يتحرش بيا، إزاي؟ ده كان سؤال. المهرجانات في اللحظة دي كانت سبّة للطبقة الوسطى، عشان إنتاجها مش جي من عندها كطبقة وسطى. كانت مسألة مُربكة في الأول، لكن عشان المهرجانات تجربة أصيلة وطالعة من الناس فعلًا، اتجذرت. على عكس مثلا شغل الراب بتاع أحمد مكي مثلا اللي بقاله سنين واللي شبهه، متجذرش ووصل لقطاعات كبيرة. فكرة إن مطربي المهرجانات ياخدوا إيقاع “المقسوم” ويستخدموه في إنتاج مهرجانات كتير وصلت وتجذرت واستمرت.

إزاي بتتشكل اللغة في المهرجانات؟

بورديو أتكلم عن “اللفظ” و”مين بينتج اللفظ”، إن فيه لغة للقس، للتلفزيون والإذاعة، ومؤسسات أخرى بتنتج اللغة والناس بتلهث وراها وتحاول تفهمها. لكن لما اللفظ بيطلع من حد معندوش المكانة دي بيبقى صعب اللغة الجديدة دي تتقبل اجتماعياً.

المهرجانات مش بس زقت عشان تطلع كفن جديد، هي كمان بتزق في سكة اللغة. السمة الأساسية إنها لغة مرنة وبتطلع على طول وبتتجدد طول الوقت وليست معنية باختيار اللفظ، إنما مهتمة بوصول اللفظ. بمعنى إن الكلمة طالما وصلت دلالتها فمش مهم الكلمة في حد ذاتها مفهومة ولا لأ. لو فرغت أغاني المهرجانات هتلاقي إن أقل أغنية منهم صفحة ونص، في حين إن أكبر أغنية لعمرو دياب مثلا يعني كام سطر.

هي لغة متوارية، بمعنى هي لغة غير مستساغة أو مفهومة دائماً. لأنها أغاني طبقة، موجهة لمجموعة، في بينها سيم، لها جمهور والباقي اللي هيمسع يعني ممكن يفهم شوية مش كل حاجة. اللغة المتوارية لها سببين: أولا فيه صراع مع الطبقات الأخرى لاتهام الطبقات الأعلى للطبقة المنتجة للمهرجان بأنهم “بيئة” مثلا، وثانيًا فيه صراع مع السلطة، يعني لما يغني مطرب المهرجان عن الحشيش أو العلبة الذهبية أو غيره، فلازم يتكلم بالسيم، لازم يلعب باللغة، مفيش رسالة واضحة ومباشرة للأغنية.

المهرجانات فيها مزج ما بين اللهجات المحلية.. فيه خلطة من لهجات الأقاليم المختلفة في مصر.

المهرجانات بتستعين بألفاظ أجنبية أو بتعربها. بالنسبة للإنجليزي بياخدوا كلمات شائعة زي مثلا “جيم أوفر” أو كلمات لها علاقة بالموبيل والكمبيوتر “دسكلي ده” أو “فرمتهولي” “الفلاشة”، إلخ. والطريقة التانية هي التعريب: زي كلمة “سنتر” “درافت “تراك”، إلخ، في سياق عامي.

المهرجانات بتستخدم رطانات الشباب. جماعة الشباب بتطلع رطانة معينة وبتسميها لغة، زي مثلا كلمة “روش” “فتيء” زمان، و”يا نجم”. كلمات زي “تزيط” “الفرافير” “تشوح لي” موجودة في مهرجانات.

اختراع ألفاظ جديدة وتعريفها في سياق المهرجان. فيه مهرجان بيقول: صاحبك كسفك، عمل عبيط، قدام الناس، قال بينسى اسمك…. يبقى بارويظا، يبقى بارويظا. اللي هي كلمة ملهاش أي معنى لكن اكتسبت معنى بصفتها وصف لهذا النوع من الصحاب اللي المهرجان بيقدمه.

المهرجانات بتستعين باللغات الخاصة بالمهن. مثلا فيه مهرجان بيقول “سكه مارش محضرش، راكبة مزة في العباية، شفتها في المراية”، المؤلف ميكانيكي واللغة المستخدمة مرتبطة بالميكانيكية وسواقين الميكروباص.

المهرجانات تطوع الألفاظ لصالح القافية وتستخدم الفصحى أحياناً “هنا الدخيلة تصدر التاريخ”.

وأخيًرا بخصوص اللغة، المهرجانات بعضها بيذكر أسماء المناطق والأحياء في الأغنية على سبيل التحية.

تعليقات ختامية

مبقاش معروف دلوقت إيه الاندرجراوند وإيه الأغنية الرسمية، إزاي المهرجان بيتحرك من الهامش للمركز، من أغنية شعبية لمنطقة لأغنية بتدخل في الفيلم ده والفيلم ده. بحاول حاليًا أرصد دورة إنتاج المهرجان وإزاي بينتقل من إنتاج مستقل لعنصر في عمل درامي رسمي زي الفيلم أو المسلسل.

المهرجان أصبح نوع مستقل من الفنون. لما رحت لأحمد عدوية أسأله عن المهرجانات ورأيه فيها قال لي إيه القرف ده، وإيه رسالة الدكتوراه اللي بتعمليها دي. في حين إن ده الكلام اللي اتقال على أغانيه أول ما طلعت. دي دورة حياة نوع فني مختلف. ظهر واترفض وبعدين أصبح مقبول ثم في مرحلة لاحقة بقى له نوستاليجا ومن “شغل زمان” وذكريات زمان”.

مسألة دخول المهرجانات في نطاق التراث الشعبي لاحقاً: هو سؤال مرتبط بالسلطة والتاريخ، والسلطة والثقافة. السلطة الرسمية اللي دايمًا بتحدد إيه هو اللي المفروض يدخل في نطاق السردية الرسمية عن الثقافة الشعبية مثلًا أو عن تاريخ الأمة. ثم هناك سؤال مرتبط، هو “احتواء” السلطة و/أو رأس المال للظواهر الشعبية أو الإبداعات القادمة من أسفل. زي مثلا دخول المهرجانات في أفلام واحتوائها، بعد ما كانت صوت مجموعات مهمشة، أصبحت متوظفة في هذا الفيلم أو ذاك بصفتها أغاني المطربين “بتوع المجرمين اللي في المناطق العشوائية”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s