كتاب – الحالات المهتاجة: كيف تسيطر المشاعر على العالم

عرضت الكتاب: ليلي ماركاكي. ترجمة: خالد مكاوي (ضمن نشاط معمل الترجمة والكتابة – سكة معارف موسم 2018 – 2019)

في كتاب الحالات المهتاجة: كيف تسيطر المشاعر على العالم، يدرس ويليام دافيز كيف تعيد المشاعر تشكيل عالمنا اليوم، ونحى الدور المُخصص تاريخيًا للمنطق جانبًا وألغى التمييزات بين العقل والجسد وبين الحرب والسلام والتي ظلت متواترة لفترة طويلة، ويقدم الكتاب تشخيصًا ملائمًا لسيطرة المشاعر في الفترة الراهنة، اجتماعيًا وسياسيًا، على الحقائق، في هذا العرض للكتاب الذي تقدّمه ليلي ماركاكي، وفي نفس الوقت يحدد الأمل في اكتشاف عالم مٌتشارك تسكنه الكائنات “الحساسة والمٌفكرة”.

الحالات المُهتاجة: كيف تسيطر المشاعر على العالم. ويليام دافيز. جوناثان كيب. 2018.

حاول العالم الحديث بناء نفسه على ما يعتقد أنها أمتن وأروع مواد البناء: الحقيقة والتقدم، فمنذ القرن السابع عشر وحتى الآن، وبالتوافق مع هذا المنهاج، سعى الفلاسفة والعلماء على السواء إلى تنظيم والتسامي على الشعور الإنساني؛ ليقدموا وصفًا موضوعيًا للعالم، وليضعوا “أُسس إجماع سلمي” (صفحة 35)، وعلى سبيل المثال كان هذا هو حال توماس هوبز الذي اشتمل كتابه الشهير في الفلسفة السياسية (الليفياثان) الصادر عام 1651 على مقولة: “الحقيقة، بكونها لا تتعارض مع مصلحة الإنسان أو سعادته، فهي موضع ترحاب من الجميع” (صفحة 45). ومع ذلك، وفي وقتنا الحالي، يبدو أن العلم – والخبرة بشكل أعم – قد فقدا قدرتهما على توحيدنا على أرضية مشتركة، حيث غالبًا ما لا تقودنا الحقائق نفسها إلى السلام ولكن إلى الصراع، فإذا ما كان المنطق ملكًا يومًا ما، فقد أطاح به الشعور عن عرشه.

تلك هي الفرضية الأساسية لكتاب ويليام دافيز الجديد، الحالات المُهتاجة: كيف تسيطر المشاعر على العالم، ومنهجيته: التاريخ الذي يسعى إلى كشفه وتوضيحه، بأن الحقائق لم تعد كما اعتدنا على استخدامها وهذا أحد الأشياء القليلة التي بإمكان معظمنا الموافقة عليها اليوم وخصوصًا في ظل ما شهدناه من إدارة دونالد ترامب. ومع ذلك لازالت تبدو فكرة سيطرة المشاعر على العالم للوهلة الأولى غريبة بعض الشيء للبعض، حيث يبدو الواقع مكانًا تختفي فيه المشاعر كليًا في أغلب الأحيان، وغالبًا ما يتم التعامل مع العالم على أنه مكان بارد ومُظلم.

ومع ذلك، لا يُعتبر الشعور دائمًا شيئًا إيجابيًا كما يتضمن عنوان دافيز الرئيسي: فهو لا يعني دومًا “الحب” و”التعاطف”، فهناك أيضًا تلك “الحالات المُهتاجة” (مثل الخوف، والألم، والقلق) والتي لها “إمكانيات سياسية أكثر من غيرها” (صفحة xiv) كما يقول دافيز، والتي تلعب دورًا رائدًا في تشكيل واقعنا كما برهن دافيز على ذلك بنجاح.

nervous-states-cover-203x300.jpg

مٌتدفقًا بسرد حادث الجمعة السوداء في سيرك أوكسفورد الذي وقع في نوفمبر الماضي، يُحسِن الجزء الافتتاحي للكتاب الكشف عن قدرة الخوف على تحريك الناس، حتى عندما يكون التهديد غير حقيقيًا: “بعد مرور ساعة تقريبًا على الإخلاء المبدئي لسيرك أوكسفورد (…) تم سحب رجال خدمة الطوارئ، ولم يكن هناك أية أسلحة أو إرهابيون” (صفحة 10)، وبفعل التضخيم “بفضل مزيج من الخيال المذعور وشبكات التواصل الاجتماعي” (صفحة 10)، تحول الحدث إلى “فزاعة كبيرة” كما وصفها دافيز بجدارة، (صفحة x). ولكن إذا كان الشعور هو ما يجعل الناس يفرون، فهو أيضًا ما يحرك الناس لتنظيم وتشكيل ما يٌعرف بالـ”حشد”.

 إذا كان للحشد أهمية ما، فهذا بسبب عمق الشعور الذي جلب الكثير من الناس إلى مكان واحد وفي وقت واحد، وكما تسيطر الحروب على المخيلة الوطنية، يسمح الاحتشاد لكل فرد أن يصبح (ويشعر بكونه) جزءًا من شيء ما أكبر منه بكثير (صفحة 7).

وبالطبع فإن اكتشاف الشعور البشري كقوة وأداة ضخمة للحشد ليس بالاكتشاف الجديد، ولكن هناك شيء ما فهمه أمثال نابليون الذي نال جيشه الإلزامي (الناشئ عام 1793) قوته وأعداده من خلال تحويل العاطفة الثورية للشعب إلى مورد عسكري، على النحو الذي أوضحه دافيز (صفحات 126 – 130)، فتسخير هذا الشعور يعد استراتيجية لازالت كامنة في قلب السياسات الشعبوية في كل مكان اليوم، على الرغم من أن أهدافها الأساسية الآن هي المزيد من الألم والقلق في أغلب الأحيان.

من يعانون شعوريًا وجسديًا، سيبحثون عن أسباب لتفسير مشاعرهم، ولكنهم أيضًا سيبحثون عن اعتراف بهم، وبالتالي فإن من أعظم إنجازات القادة الشعبويين – سواء يمينيين أو يساريين – هو قدرتهم على القيام بالزيارات للفئات المحرومة اقتصاديًا والتعبير عن تعاطفهم مع من عانوا من تجاهل ونبذ الآخرين لهم. وليس هذا بالأمر الذي يمكن للشخصيات السياسية المحترفة وغير الشعبوية أن تفعله بنفس القدر من المصداقية في عين الجماهير (صفحة 118).

إن الانقسام بين العقل والجسد والذي اعتمد عليه العالم الحديث منذ القرن السابع عشر، والذي يتمثل عند دافيز في التمييز بين الحرب والسلم، لن يستمر طويلًا. ففي فصل بعنوان ” الجسد السياسي” ناقش المؤلف بطريقة مُقنعة أن الأجساد البشرية – وبخاصة تلك المعتلة صحيًا – تعبر عن نفسها بطرق مُهمة للغاية لسياسات الوقت الراهن. فطبقًا لتقرير نشرته مجلة الإيكونميست والذي يستشهد به دافيز: “إذا كانت نسبة مرضى السكر أقل انتشارًا بمقدار 7% في ولاية ميتشيجن، لكان ترامب قد حصل على نسبة تصويت أقل بمقدار 0.3 من نسبة الأصوات التي حصل عليها فيها، وهي النسبة الكافية لإعادة دفة البلاد إلى الديمقراطيين” (صفحة 99)، وهذا مثال واحد فقط من عدة أمثلة مُقدمة في هذا القسم من الكتاب، والتي تثبت وجهة نظر المؤلف السابقة:

يصبح الجهاز العصبي – الذي ينتج الألم، والتنبه، والضغط العصبي، والإثارة – هو العضو الرئيسي في النشاط السياسي. إننا ككائنات شاعرة نصبح عرضة للعدوى العاطفية، ليس كعقلانيين، أو نٌقاد، أو عٌلماء أو حتى مواطنين (صفحة 16).

 وحتى ردود الأفعال ضد الخبرة – وهي الظاهرة الآخذة في الانتشار أكثر فأكثر – تتوافق مع البُعد الجسدي للسياسة، حيث أن ما يعزز الفجوة بين ذوي الخبرة وبين أولئك الذين يكسب أصحاب الخبرة دخلهم من تمثيلهم عن طريق البيانات، هو المعرفة والشعور بأن “الخُبراء وصٌناع السياسات بإمكانهم التحدث عن أشياء مثل البطالة (…) ولكنهم لن يعرفوا أبدًا شعور أن تكون عاطلًا” (صفحة 61). ويلاحظ دافيز أن ردود الأفعال تلك “قد تبدو كرفض غير منطقي للحقيقة نفسها، ولكنها غالبًا ما تكون رفضًا للصرح السياسي الأكبر الذي يحكم المجتمع” (صفحة 28).

وقد تبيّن الكاتب أن وراء الدولة التكنوقراطية ونهجها الرياضياتي في الحُكم – وهي الفرضية التي اكتشفها دافيز في مصدر تاريخي هو كتاب ويليام بيتي “Political Arithmetick”، الصادر عام 1672 – سعي تدريجي إلى القوة والسلطة، لا إلى السلام”. قال دافيز: “إن الحاجة لصنع صورة عن العالم يٌمكن أن تُولد أيضًا من رحم الرغبة في التحكم فيه” (صفحة 59): وهذه حقيقة تؤكدها الآن تمام التأكيد الوقائع التاريخية الخاصة بتجربة الاستعمار، ولكن دافيز يربطها بالمناهج المُعاصرة للحروب أيضًا. وأحد الأمثلة على هذا هو مقالة فاليري جيراسيموف المنشورة عام 2013 “قيمة العلم هي التبصر”، حيث يسوق كاتب المقال، وهو لواء روسي، مقولة أن التخطيط العسكري الذي يوظف المعلومات بوضوح بصفة هذه المعلومات هي الأسلحة الرئيسية للتخطيط، وهي المقولة المعروفة الآن بمسمى “مذهب جيراسيموف”. وكتب دافيز أن: “هذا الطرح له تداعيات كبيرة على مكانة المعرفة والإحساس في المجتمع”، “وبالأساس يتحدى هذا نموذج المعرفة الخبيرة، كشيء يقع خارج دائرة الصراع، وتضع الفرضية المذكورة مكانه مثال مختلف، تُستخدم فيه المعرفة كسلاح” (صفحة 125).

will-davies.jpg

ويليام دافيز

ومما أسهم أيضًا في تغيير طابع المعرفة هو بالطبع تسويقها وتأكيد أهميتها بشكل تدريجي، وهو شيء اكتشفه دافيز قبل نهاية الكتاب، حيث يلاحظ أنه “بمجرد التعامل مع المعرفة كأداة للعمل التجاري، تنمو غريزيًا بشكل أسرع وأفضل وسائل اكتسابها (أي المعرفة) وممارستها. (…) فتنجرف التقنيات العسكرية إلى مجال الأعمال التجارية (…) مٌنتجة ثقافة التقاتل الاقتصادي” (صفحة 152)، وتتركنا – كمنتجين ومستهلكين على حد السواء – في حالة من القلق الدائم. واًصبحت صلة تمثيل هذا المجال لمعركة من أجل السيطرة على العالم جليًة في تحليل دافيز الخلاب للسيلكون فالي، وهو مركز عالمي لشركات تصنيع التقنيات والتي “تستهدف بالأساس” – كما أوضح دافيز – “تقديم بنية تحتية يواجه من خلالها البشر العالم” (صفحة 186).

وإذا كان كتاب الحالة المُهتاجة – آخر الأمر – قد نجح في عمل وزن للأهمية الاجتماعية والسياسية للمشاعر، فهي هنا في صفحات الكتاب الأخيرة، حجر أساس ندلف منه إلى المستقبل. ويذكرنا دافيز بأن رواد الأعمال أمثال بيتر ثايل، وإلون ماسك، ومارك زوكربرج، لدى كل منهم رؤيته الخاصة للتقدم. وبينما قد تبدو هذه الرؤية للتقدم بها قدر كبير من المغالاة – كما في حالة حلم زوكربرج بتحقيق نظام اتصالات قائم على تواصل الخواطر (التليباثي) – إلا أن هذه الرؤى للتقدم يجب أن تُؤخذ على محمل الجد، خصوصًا وأن هؤلاء الرجال قد حولوا بالفعل بنية الواقع بطرق ملموسة.

قد يحقق الجيل الجديد من الرواد النابليونيين للتقنية أحلامهم في الخلود لمئة وخمسين أو مئتي عام، وقد يبني هؤلاء “المؤسسون” إمبراطوريات تبقى بعدهم، وقد ينجح بعضهم في استعمار المريخ، كما يصر إلون ماسك على هذا. فإذا كان هذا هو التقدم في المستقبل، فلن يصبح بالتالي شيئًا يشمل معظم البشر، بما أن أكثر دوافعه هو تفادي المصير الذي ينتظر بقيتنا (صفحة 226).

كيف يتقدم “بقيتنا” إذن؟ يقول دافيز “أن التحدي الذي يواجهنا الآن يتمثل في كيفية بناء واكتشاف عالم مشترك في المستقبل، تسكنه كائنات تشعر وتفكر” (صفحة 223). وبالنسبة للمؤلف إذن، لا تكمن الإجابة في نوع ما من العودة للماضي أو حتى للمنطق؛ لأن “الحقائق وحدها لن تنقذنا” الآن (صفحة 207)، لكن يجب أن تشتمل الإجابة على اعتراف بمشاعرنا، مع التركيز والتعاون في استجاباتنا والجهود تجاه معاناتنا المشتركة، “وخصوصًا مع انكماش المناطق المأهولة بالسكان في الكوكب” (صفحة 225) – وهذا هو المصير الجغرافي المشترك والذي يعترف به دافيز – ويجب بالفعل أن تكون السياسات المبنية على الاعتراف ببشريتنا المتساوية والعامة هي أملنا الوحيد.

 

ليلي ماركاكي هي باحثة دكتوراه بمجال فنون الإعلام في جامعة لندن. تخرجت عام 2014 في جامعة جلاسجو، من برنامج “الفن والسياسة والعدوان: طلائع القرن العشرين”.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s